مناع القطان

43

مباحث في علوم القرآن

يمترى في قوله حينما أعلن عن نفسه بأنه ليس واضع ذلك الكتاب ( قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ 15 - يونس ) . 2 - وزعم الجاهليون قديما وحديثا أنه عليه الصلاة والسلام كان له من حدة الذكاء ، ونفاذ البصيرة ، وقوة الفراسة ، وشدة الفطنة ، وصفاء النفس ، وصدق التأمل ، ما يجعله يدرك مقاييس الخير والشر ، والحق والباطل ، بالإلهام ، ويتعرف على خفايا الأمور بالكشف والوحي النفسي ، ولا يخرج القرآن عن أن يكون أثرا للاستنباط العقلي ، والإدراك الوجداني عبر عنه محمد بأسلوبه وبيانه . وأي شيء في القرآن يعتمد على الذكاء والاستنباط والشعور ؟ فالجانب الأخباري - وهو قسم كبير من القرآن - لا يماري عاقل في أنه لا يعتمد إلا على التلقي والتعلم . لقد ذكر القرآن أنباء من سبق من الأمم والجماعات والأنبياء والأحداث التاريخية بوقائعها الصحيحة الدقيقة كما يذكر شاهد العيان مع طول الزمن الذي يضرب في أغوار التاريخ إلى نشأة الكون الأولى بما لا يدع مجالا لإعمال الفكر ودقة الفراسة ، ولم يعاصر محمد صلى اللّه عليه وسلم تلك الأمم وهذه الأحداث في قرونها المختلفة حتى يشهد وقائعها وينقل أنباءها ، كما لم يتوارث كتبها ليدرس دقائقها ويروي أخبارها ( وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ، وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ 44 ، 45 - القصص ) ( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا 49 - هود ) ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ 3 - يوسف ) ( وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ 44 - آل عمران ) . ومنها أنباء دقيقة تتناول الأرقام الحسابية التي لا يعلمها إلا الدارس البصير ،